تأريخ محمد بن عبد الوهاب بقلم أخيه 4

اذهب الى الأسفل

تأريخ محمد بن عبد الوهاب بقلم أخيه 4

مُساهمة  علي الهادي في الثلاثاء يوليو 22, 2008 5:01 pm

فصل
[ كفر الفرق الإسلامية لا يخرج عن الملّة ]
وهاهنا أصلٌ آخر، وهو أنّ المسلم قد تجتمع فيه المادّتان: الكفر والإسلام،
والكفر والنفاق، والشرك والإيمان، وأنـّه تجتمع فيه المادّتان ولا يكفر كفرا ينقل عن الملّة ـ كما هو مذهب أهل السُنّة والجماعة، كما يأتي تفصيله وبيانه إنشاء الله ـ ولم يخالف في ذلك إلاّ أهل البدع.

فصل
[ الخوارج وسيرتهم ومذهبهم ]
اعلم أنّ أوّل فرقةٍ فارقت الجماعة الخوارجُ الذين خرجوا في زمن عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وقد ذكرهم رسول الله(ص) وأمر بقتلهم وقتالهم، وقال : يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم(41).
وقال فيهم: إنّهم كلابُ أهل النار(42).
وقال: إنّهم يقتلون أهل الإسلام(43).
وقال: شرّ قتلى تحت أديم السماء(44).
وقال: يقرؤون القرآن، يحسبونه لهم، وهو عليهم.
إلى غير ذلك ممّا صحّ عن رسول الله(ص) فيهم.
وهؤلاء خرجوا في زمن عليّ بن أبي طالبٍ (ع) ، وكفّروا عليّا وعثمان ومعاوية، ومن معهم.
واستحلّوا دماء المسلمين وأموالهم.
وجعلوا بلاد المسلمين بلاد حرب، وبلادهم هي بلاد الإيمان.
ويزعمون أنـّهم أهل القرآن، ولا يقبلون من السُنّة إلاّ ما وافق مذهبهم.
ومن خالفهم وخرج عن ديارهم فهو كافر.
ويزعمون أنّ عليّا والصحابة رضي الله عنهم أشركوا بالله، ولم يعملوا بما في
القرآن.
بل هم ـ على زعمهم ـ الذين عملوا به.
ويستدلّون لمذهبهم بمتشابه القرآن.
وينزّلون الآيات التي نزلت في المشركين المكذّبين في أهل الإسلام.
هذا، وأكابر الصحابة عندهم، ويدعونهم إلى الحقّ وإلى المناظرة.
وناظرهم ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما، ورجع منهم إلى الحقّ أربعة آلاف(45).
ومع هذه الأمور الهائلة، والكفر الصريح الواضح، وخروجهم عن المسلمين،
قال لهم عليّ (ع) : لا نبدؤكم بقتالٍ، ولا نمنعكم عن مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم من الفيىء ما دامت أيديكم معنا(46).
ثم إنّ الخوارج اعتزلوا، وبدءوا المسلمين ـ الإمام ومن معه ـ بالقتال، فسار
إليهم عليّ (ع).
وجرى على المسلمين منهم أمور هائلة يطول وصفها.
ومع هذا كلّه لم يكفّرهم الصحابة، ولا التابعون ، و لا أئمّة الإسلام، ولا قال لهم عليّ ولا غيره من الصحابة: قامت عليكم الحجّة، وبيّنّا لكم الحقّ.
قال الشيخ تقيّ الدين: لم يكفّرهم عليّ ولا أحدٌ من الصحابة، ولا أحدٌ من أئمّة الإسلام، انتهى(47).
فانظر ـ رحمك الله ـ إلى طريقة أصحاب رسول الله (ص) في الإحجام عن
تكفير من يدّعي الإسلام.
هذا، وهم الصحابة رضي الله عنهم الذين يروون الأحاديث عن رسول الله(ص) فيهم.
قال الإمام أحمد: صحّت الأحاديث عن رسول الله(ص) من عشرة أوجه.
قال أهل العلم: كلّها خرّجها مسلم في (صحيحه).
فانظر إلى هدي أصحاب رسول الله(ص) وأئمّة المسلمين، لعلّ الله يهديك إلى اتّباع سبيل المؤمنين، وينبّهك من هذه البليّة التي تزعمون الآن أنـّها السُنّة، وهي ـ والله ـ طريقة القوم، لا طريقة عليّ ومن معه، رزقنا الله اتّباع آثارهم.
فإن قلت: علي نفسه قتل الغالية، بل حرّقهم بالنارـ وهم مجتهدون ـ.
والصحابة قاتلوا أهل الردّة.
قلت: هذا كلّه حق، فأمّا الغالية: فهم مشركون زنادقة، أظهروا الإسلام
تلبيسا، حتّى أظهروا الكفر ظهورا جليّا لا لبس فيه على أحدٍ.
وذلك أنّ عليّا2 لمّا خرج عليهم من باب كِندة سجدوا له.
فقال لهم: ما هذا؟
قالوا له: أنت الله.
فقال لهم: أنا عبدٌ من عباد الله.
قالوا: بل أنت هو الله.
فاستتابهم وعرضهم على السيف، وأبَوا أن يتوبوا، فأمر بخدّ الأخاديد في
الأرض، وأضرم فيها النار، وعرضهم عليها، وقال لهم: إنْ لم تتوبوا قذفتكم فيها،
فأبَوا أن يتوبوا، بل يقولون له: أنت الله.
فقذفهم بالنار، فلمّا أحسّوا بالنار تحرقهم قالوا: الآن تحقّقنا أنّك أنت الله،
لأنـّه ما يعذّب بالنار إلاّ الله.
فهذه قصّة الزنادقة الذين حرّقهم عليّ (ع)، ذكرها العلماء في كتبهم.
فإن راءيتم مَن يقول لمخلوقٍ: هذا هو الله، فحرّقوه، وإلاّ فاتّقوا الله، ولا تلبسوا الحقّ بالباطل، وتقيسوا الكافرين على المسلمين بآرائكم الفاسدة، ومفاهيمكم الواهية .

فصل
[ أهل الردّة ]

وأمّا قتال الصدّيق والصحابة رضي الله عنهم أهل الردّة:
فاعلم أنـّه لمّا توفّي رسول الله(ص)، لم يبق على الإسلام إلاّ أهل المدينة، وأهل مكّة، والطائف، وجُواثا ـ قرية من قرى البحرين ـ.
وأخبار الردّة طويلة تحتمل مجلّدا، ولكن نذكر بعضا من ذلك من كلام أهل
العلم، ليتبيّن لكم ما أنتم عليه، وأنّ استدلالكم بقصّة أهل الردّة كاستدلالكم
الأوّل.
قال الإمام أبو سليمان الخطّابي;: ممّا يجب أن يُعلم أنّ أهل الردّة كانوا
أصنافا: صنفٌ ارتدّوا عن الإسلام، ونبذوا الملّة، وعادوا إلى الكفر الذي كانوا عليه من عبادة الأوثان.
وصنفٌ ارتدّوا عن الإسلام، وتابعوا مُسَيْلَمَة ـ وهم بنو حنيفة وقبائل غيرهم ـ صدّقوا مسيلمة، ووافقوه على دعواه النبوّة.
وصنف ارتدّوا ووافقوا الأسود العنسيّ وما ادّعاه من النبوّة باليمن.
وصنفٌ صدّقوا طُليحة الأسديّ وما ادّعاه من النبوّة، وهم غطفان وفَزَارة
ومَن والاهم.
وصنفٌ صدّقوا سَجاح.
فهؤلاء مرتدّون، منكرون لنبوّة نبيّنا (ص)، تاركون للزكاة، والصلاة، وسائر
شرائع الإسلام، ولم يبق مَن يسجد لله في بسيط الأرض، إلاّ مسجد المدينة،
ومكّة، و جواثا ـ قرية في البحرين ـ.
وصنفٌ آخر، وهم الذين فرّقوا بين الصلاة والزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام.
وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنّما لم يدعَوا بهذا الاسم في ذلك الزمان
خصوصا لدخولهم في غِمار أهل الردّة، فأضيف الاسم إلى الردّة، إذ كانت أعظم الأمرين وأهمّهما.
وأرّخ قتال أهل البغي من زمن عليّ بن أبي طالبٍ (ع)، إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك.
وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف، ووقعت الشبهة لعمر (رض)حين راجع أبا بكرٍ
وناظره، واحتجّ بقوله (ص)(48): أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فمن قال لا إله إلاّ الله عصم ماله ونفسَه ـ. إلى أن قال; ـ : وقد بيّنّا أنّ أهل الردّة كانوا أصنافا.
منهم من ارتدّ عن الملّة، ودعا إلى نبوّة مسيلمة وغيره.
ومنهم من أنكر الشرائع كلّها.
وهؤلاء الذين سمّـاهم الصحابة رضي الله عنهم كفّاراً، وكذلك رأى أبو بكرٍ
سبي ذراريهم ، وساعده على ذلك أكثر الصحابة.
ثم لم ينقض عصر الصحابة حتّى أجمعوا أنّ المرتدّ لا يُسبى.
فأمّا مانع الزكاة منهم، المقيمون على أصل الدين:
فإنّهم أهل بغي، ولم يسمّوا أهل شركٍ، أو فهُم كفّار ـ وإن كانت الردّة أضيفت
إليهم ـ لمشاركتهم للمرتدّين في بعض ما منعوه من حقّ الدين.
وذلك أنّ الردّة اسم لغويّ، وكلّ من انصرف عن أمرٍ كان مقبلا عليه فقد
ارتدّ عنه .
وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة، ومنع الحقّ، وانقطع عنهم
اسم الثناء والمدح، وعلق عليهم الاسم القبيح، لمشاركتهم القوم الذين كانوا
ارتدوا حقا .
ـ إلى أن قال ـ :
فإن قيل: وهل، إذا أنكر طائفة في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا من أدائها
يكون حكمهم حكم أهل البغي؟
قلنا: لا، فإنّ من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرا بإجماع
المسلمين على وجوب الزكاة، فقد عرفها الخاصّ والعامّ، واشترك فيها العالم
والجاهل، فلا يُعذر منكره.
وكذلك الأمر في كلّ من أنكر شيئا ممّا اجتمعت عليه الأمّة من أمور الدين ـ إذا كان عِلْمه منتشراـ كالصلوات ، الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من
الجنابة، وتحريم الربا ، والخمر ، ونكاح المحارم، ونحوها من الأحكام، إلاّ أنْ يكون رجلا حديث عهدٍ بالإسلام، ولا يعرف حدوده، فإنّه إنْ أنكر شيئا منها جاهلا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء الاسم عليه.
فأمّا ما كان الإجماع معلوما فيه من طريق علم الخاصّة، كتحريم نكاح المرأة
على عمّتها وخالتها، وأنّ القاتل عمدا لا يرث، وأنّ للجدّ السدس، وما أشبه ذلك من الأحكام، فإنّ من أنكرها لا يكفر، بل يُعذر فيها، لعدم استفاضة علمها في العامّة، انتهى كلام الخطّابي.
وقال صاحب (المفهم): قال أبو إسحاق: لـمّا قُبض رسول الله(ص) ارتدّت
العرب، إلاّ أهل ثلاثة مساجد: مسجد المدينة: ومسجد مكّة: ومسجد جواثا،
انتهى.
فهذا شيءٌ ممّا ذكره بعض أهل العلم في أخبار الردّة، وتفاصيلها يطول.
ولكن قد تقدّم أنّ مِثْلَكم أو من هو أجلّ منكم لا يجوز له الاستنباط، ولا
القياس، ولا يجوز لأحدٍ أن يقلّده، بل يجب على من لم يبلغ رتبة المجتهدين أن يقلّدهم، وذلك بالإجماع.
ولكن ليكن عندكم معلوما أنّ من خرج عن طاعة أبي بكرٍ الصدّيق في زمانه
فقد خرج عن الإجماع القطعيّ، لأنّه ومن معه هم أهل العلم، وأهل الإسلام، وهم المهاجرون والأنصار الذين أثنى الله عليهم في كتابه، وإمامة أبي بكر إمامة حقّ، جميع شروط الإمامة مجتمعة فيه!؟
فإن كان اليوم فيكم مثل أبي بكرٍ والمهاجرين والانصار، والأمّة مجتمعة على
إمامة واحدٍ منكم، فقيسوا أنفسكم بهم.
وإلاّ، فبالله عليكم! استحيوا من الله، ومن خلقه، واعرفوا قدر أنفسكم،
فرحم الله من عرف قدر نفسه، وأنزلها منزلتها، وكفّ شرّه عن المسلمين، واتّبع
سبيل المؤمنين.
قال الله تعالى : (ومن يتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونُصْلِهِ جهنم
وساءت مصيرا ) (49).

فصل

لما تقدم الكلام على الخوارج وذكْر مذهب الصحابة وأهل السُنّة فيهم،
وأنـّهم لم يكفّروهم كفرا يخرج من الإسلام، مع ما فيهم ـ بأنـّهم كلاب أهل النار، وأنـّهم يمرقون من الإسلام، ومع هذا كلّه لم يكفّرهم الصحابة، لأنّهم منتسبون إلى الإسلام الظاهر ـ وإن كانوا مخلّين بكثيرٍ منه لنوع تأويلٍ ـ.
وأنتم اليوم تكفّرون من ليس فيه خصلةٌ واحدةٌ ممّا في أولئك.
بل الذين تكفّرونهم اليوم وتستحلّون دماءهم وأموالهم عقائدهم عقائد أهل
السُنّة والجماعة ـ الفرقة الناجية، جعلنا الله منهم ـ.

علي الهادي

المساهمات : 4
تاريخ التسجيل : 22/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى